القرطبي

135

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وأما سائر الكنايات فهي ثلاث عند مالك في كل من دخل بها لا ينوى فيها قائلها ، وينوى في غير المدخول بها . فإن حلف وقال أردت واحدة كان خاطبا من الخطاب ، لأنه لا يخلى المرأة التي قد دخل بها زوجها ولا يبينها ولا يبريها إلا ثلاث تطليقات . والتي لم يدخل بها يخليها ويبريها وبينها الواحدة . وقد روى عن مالك وطائفة من أصحابه ، وهو قول جماعة من أهل المدينة ، أنه ينوى في هذه الألفاظ كلها ويلزمه من الطلاق ما نوى . وقد روى عنه في البتة خاصة من بين سائر الكنايات أنه لا ينوى فيها لا في المدخول بها ولا في غير المدخول بها . وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : له نيته في ذلك كله ، فإن نوى ثلاثا فهي ثلاث ، وإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة وهي أحق بنفسها . وإن نوى اثنتين فهي واحدة . وقال زفر : إن نوى اثنتين فهي اثنتان . وقال الشافعي : هو في ذلك كله غير مطلق حتى يقول : أردت بمخرج الكلام منى طلاقا فيكون ما نوى . فإن نوى دون الثلاث كان رجعيا ، ولو طلقها واحدة بائنة كانت رجعية . وقال إسحاق : كل كلام يشبه الطلاق فهو ما نوى من الطلاق . وقال أبو ثور : هي تطليقة رجعية ولا يسأل عن نيته . وروى عن ابن مسعود أنه كان لا يرى طلاقا بائنا إلا في خلع أو إيلاء وهو المحفوظ عنه ، قاله أبو عبيد . وقد ترجم البخاري " باب إذا قال فارقتك أو سرحتك أو البرية أو الخلية أو ما عنى به الطلاق فهو على نيته " . وهذا منه إشارة إلى قول الكوفيين والشافعي وإسحاق في قوله : " أو ما عنى به من الطلاق " والحجة في ذلك أن كل كلمة تحتمل أن تكون طلاقا أو غير طلاق فلا يجوز أن يلزم بها الطلاق إلا أن يقول المتكلم : إنه أراد بها الطلاق فيلزمه ذلك بإقراره ، ولا يجوز إبطال النكاح لأنهم قد أجمعوا على صحته بيقين . قال أبو عمر : واختلف قول مالك في معنى قول الرجل لامرأته : اعتدى ، أو قد خليتك ، أو حبلك على غاربك ، فقال مرة : لا ينوى فيها وهي ثلاث . وقال مرة : ينوى فيها كلها ، في المدخول بها وغير المدخول بها ، وبه أقول . قلت : ما ذهب إليه الجمهور ، وما روى عن مالك أنه ينوى في هذه الألفاظ ويحكم عليه بذلك هو الصحيح ، لما ذكرناه من الدليل ، وللحديث الصحيح الذي خرجه أبو داود